ابن أبي مخرمة

250

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

والسلاح والرجال ، وذلك في سنة ثمان وخمسين ، فبرز جوهر بالعساكر ومعه أكثر من مائة ألف فارس ، وأكثر من ألف ومائتي صندوق من المال ، وخرج المعز لوداعه ، ثم قال لأولاده : انزلوا لوداعه ، فنزلوا عن خيولهم ، فنزل جميع أهل الدولة لنزولهم ، والمعز متكئ على فرسه ، وجوهر واقف بين يديه ، ثم قبل جوهر يد المعز وحافر فرسه ، فقال له : اركب ، فركب وسار بالعساكر ، فلما رجع المعز إلى قصره . . أنفذ إلى جوهر ملبوسه وكل ما كان عليه سوى خاتمه وسراويله . وكتب المعز إلى عبده أفلح صاحب برقة أن يترجل للقاء جوهر ، ويقبل يده عند لقائه ، فبذل أفلح مائة ألف دينار على أن يعفى من ذلك ، فلم يعف ، وفعل ما أمر به عند لقائه . فلما وصل الخبر إلى مصر بوصول جوهر بالعساكر . . اضطرب أهلها ، واتفقوا مع الوزير ابن الفرات على المراسلة في الصلح وطلب الأمان ، وأرسلوا بذلك أبا جعفر مسلم بن عبيد اللّه الحسيني مع جماعة من أهل البلد ، وكتب الوزير معهم كتابا بما يريد ، فتوجهوا نحو القائد جوهر وكان قد نزل بقرية قرب الإسكندرية ، فوصل إليه الشريف ومن معه ، وأدوا إليه الرسالة ، فأجابهم إلى ما التمسوه ، وكتب لهم عهدا بما طلبوه ، فاضطرب البلد اضطرابا شديدا ، وأخذت الإخشيذية والكافورية وجميع العساكر لأهبة القتال ، وساروا بالعساكر نحو الجيزة ونزلوا بها ، وحفظوا الجسر ، ووصل القائد جوهر ، وابتدأ بالقتال ، وأسرت رجال ، وأخذت خيل ، ومضى جوهر إلى منية الصيادين ، وأخذ المخاضة بمنية شلقان ، واستأمن إلى جوهر جماعة من العسكر في مراكب ، وجعل أهل مصر على المخاضة من يحفظها ، فلما رأى ذلك جوهر . . قال لجعفر بن فلاح : لهذا اليوم أرادك المعز ، فعبر عريانا في سراويل ومعه الرجال خوضا حتى خرجوا إليهم ، ووقع القتال ، فقتل خلق من الإخشيذية وأتباعهم ، وانهزموا في الليل ، ودخلوا مصر وأخذوا من دورهم ما قدروا عليه ، وخرجت حرمهم ماشيات ، ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان ، فكتب إليه يهنئه بالفتح ويسأله إعادة الأمان ، فعاد جوابه بأمانهم ، ثم ورد رسوله إلى جعفر بأن يجتمع مع جماعة من الأشراف والعلماء ووجوه البلد ، فاجتمعوا به في الجيزة ، فنادى مناديه : ينزل الناس كلهم إلا الوزير والشريف ، فنزلوا وسلموا عليه واحدا بعد واحد ، فأخذ الوزير عن شماله والشريف عن يمينه ، ولما فرغوا من السلام . . ابتدءوا بدخول البلد ، فدخلها وقت الزوال وعليهم السلاح والعدد ، ودخل جوهر بعد العصر وخيوله وجنوده بين يديه ، وعليه ثوب ديباج ، وتحته فرس أصفر ، فنزل موضع القاهرة اليوم ، فاختط موضع القاهرة .